طبيعة احتجاجات السترات الصفراء وقعت في داخل باريس التي تضم في معظمها دوائر تنتمي إلى الطبقة الغنية؟!
ما يميز هذه الاحتجاجات أنها وقعت في داخل باريس التي تضم في معظمها دوائر تنتمي إلى الطبقة الغنية والوسطي وبتمركز أهم المؤسسات الحيوية الفرنسية والدولية بل تمركزت في أهم شارع فيها وهو شارع شانزليزيه الذي يربط ما بين ساحة النصر ومتحف اللوفر في الجهة المقابلة مع وجود أهم المؤسسات الرسمية فيه وبالتالي الاحتجاجات لم تنطلق من الضواحي الباريسية كما هو معتاد بل من وسط باريس وقلبها النابض كما جاءت هذه الاحتجاجات في سياق غير منظم بمعني لم تتبنى أي حركة نقابية مطالب هذه المجموعات كما هو معتاد بل جاءت في شكل عفوي بعد التفاعل والاتفاق عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبالشكل السلمي أن يتم ارتداء السترات الصفراء كرمز تحضيري لمستخدمي حركة المرور وهذا الزي في حد ذاته جذب انتباه المواطنين وزاد من انخراط العديد خاصة الفئات الشبابية العاطلة عن العمل.
كما نلاحظ أن مطالب هذه الحركة الاحتجاجية كانت في إعادة النظر الخاصة بقوانين الزيادات في الضرائب أسعار البنزين إلى مطالب بتنحي الحكومة والرئيس من السلطة كمطلب أساسي أن أثرت هذه الاحتجاجات على حركية الاقتصاد والتجارة في فرنسا.
وبالتالي نجد أن التعامل الرسمي الفرنسي مع هذه المطالب غلب عليها شكلين:
الشكل الأول: رفض الرئيس الفرنسي المطالب ومراجعتها مما يعكس مضي الرئيس في سياسته وهذا يقابله رفض الجبهة الشعبية مع كسب تأييد الفئات الرأسمالية النشطة من أرباب أعمال ومؤسسات كبرى واعتبار ما يحدث غير مقبولا
الشكل الثاني: غياب تفاعل المؤسسات الأخرى وخاصة البرلمان الذي لم يتحرك نوابه المفروض أنهم منتخبين من طرف الشعب لطرح استفسارات أو التفاعل مع الشارع الفرنسي لفهم المطالب وأبعادها أو احتواء الموقف.
أما من الناحية غير الرسمية فنجد أن الإعلام الرسمي الفرنسي لم يركز كثيرا على ما يحدث ولم يقدم التغطية الكافية أو ما اعتاد عليها في أحداث أخرى بما يقدم صورة بعدم الأهمية لهذه الاحتجاجات رغم ما بلغته من تخريب قوس النصر. أما النقابات العمالية والتي تعرف بالسترات الحمراء أن ترفع العلم الأحمر في احتجاجاتها فتحركها كان محتشما ولم تتحرك بشكل أساسي مثل ما اعتادت عليه وهنا توضع العديد من علامات الاستفهام حيث تريد أن تعرف ما ستؤول إليه هذه الاحتجاجات ومن بعد تتبنى قرارا وموقفا حسب هذا الوضع.
قراءة في تطورات الأحداث الاحتجاجية الفرنسية:
يعتبر البعض أن الاقتصاد الفرنسي في الآونة الأخيرة يواجه تحديات داخل الاتحاد الأوروبي بسبب انسحاب بريطانيا من جهة والتي أرادت أن تبني تصوراتها الاقتصادية بشكل مستقل عن الرؤية الأوروبية وفي المقابل القوة الألمانية التي تعتبر القاطرة الفعلية للاقتصاد الأوروبي أن حققت فائضا هذه السنة ما قيمته 275 مليار دولار ومن جهة أخرى نجد أن اليونان التي بدأت فيها احتجاجات منذ سنوات حول السياسات الاقتصادية اليونانية المتأثرة بالسياسة الأوروبية والتي انتهب بتدخل الأوروبي تتحمل تكلفته فرنسا وألمانيا
في المقام الأول هذه المعادلة دفعت بفرنسا أن تقع كمدافع عن أطروحات الاتحاد الأوروبي والبنيوية الأوروبية الاقتصادية والأمنية في ظل مواجهة التفرد الأمريكي والقوة الصينية ومن جهة أخرى متطلبات الداخلية التي يطالب بها المواطن الفرنسي من دعم الاقتصاد وخفض البطالة ورفع الأجور حتى تتماشي مع التحولات الاقتصادية في ظل الزيادات الضريبية في كل سنة والتي تدفع على مستويين داخلي وخارجي.
فما حققه الاتحاد الأوروبي من تكامل اقتصادي خاصة قوة اليورو أصبح مهدد في ظل التحولات التي تعرفها أوروبا خاصة الموجة الأخيرة الفرنسية وتمددها إلى بلجيكا والمواطن الإسباني والإيطالي ليس بمعزل عن هذه الحركية ووصول اليمين في إيطاليا مؤشر على رغبة المواطن الإيطالي في تحقيق التغير في ظل التحولات الراهنة
فسياسة الرئيس ماكرون التي انتهجها دعما للصناعيين والاقتصاديين وتخفيف الأعباء عنهم لدفعهم إلى المزيد من الاستثمار وكلها تصب في خانة التمدد العولمي يذهب ضحيتها في الغالب المواطن العادي إن لم نقل البسيط لأن العبء الضريبي سيقع عليه كنتيجة حتمية لدعم توازنات الاقتصادية الكبرى للدولة وميزانية الحكومة وهذا ما جعل إعادة النظر في السياسات الاقتصادية التكاملية من جهة ومن السياسات التكيفية من جهة أخرى مع مراعاة الظروف الداخلية وخصوصية كل اقتصاد في ظل تزايد المنافسة الدول من طرف قوى صاعة مثل مجموعة بريكس أو دول أخرى نامية كما هو الحال في أفريقيا.
وفي الأخير تبقي احتجاجات فرنسا الأخيرة مفتوحة على كل الاحتمالات إلا أنه ليس من المستبعد أن يتم تشكل خلية أزمة وتغير حكومي وتدخل البرلمان كوسيط لحل هذه الأزمة أو تدخل الحركات النقابية لامتصاص الاحتجاج في إطار منظم مما يجمد الزيادات التي أقرتها الحكومة وإلا ستبقي الاحتجاجات مستمرة والأكيد سيفتح الرئيس حوار بشكل مباشر أو غير مباشر لامتصاص هذه الحركة والغضب من طرف السترات الصفراء.

تعليقات
إرسال تعليق